فصل: فصل في الأركان الستة وكيفية الإيمان بها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.خُطْبَة الْكِتَاب:

الحمدُ للهِ الذي تَفَرَّدَ بالجلالِ والعظمةِ والعِِزِ والكبرياءِ والجَمَالِ وأَشْكرُهُ شُكرَ عَبدٍ مُعْترفٍ بالتقصيرِ عن شكرِ بعض ما أوليهُ مِن الأنعام والأفضال وأَشهد أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيَكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم.
وَبَعْدُ فَبِمَا أَنِي رَأَيتُ كِتَابَ المَنَاهلِ الحسان مطلوبًا ومرغوبًا فيه ورأَيتُ أَني أَوّسِعُهُ وَأَزِيدُ فيهِ زِيادَاتٍ كَثِيْرَةً مَا بَيْنَ حِكَمٍ وأَحْكامٍ وَقَوَاعِدَ وَمَوَاعظَ وآدابٍ وأخلاقٍ وقصائِدَ زُهْدياتٍ لِيَكُونَ جَامِعًا نَافِعًا صَالِحًا ومُنَاسِبًا لِرَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وِللْعَالِمِ والمُتَعَلِّمِ وِللأئَمَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَبَذَلْتُ وُسْعِي وَاعْتَنَيْتُ جُهْدِي في تَهْذِيْبِهِ وَتَنْقِيْحِهِ وَتَرْتِيْبِهِ وَقَدْ أكْمَلتُ تَشْكِيْلَهُ لِيَعْذُبَ لِلسِّامِعِ والقَارِئِ وَيَسْهُلَ عَلَيهِ.
وأَسْأَلُ اللهَ الحَيَّ القَيُّومَ العَلِيَّ العَظِيمَ القَويَّ العَزِيزَ ذَا الجَلالِ والإِكرامِ الوَاحدَ الأحدَ الفردِ الصَّمدَ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أَحَدْ الحَلَيمَ الكَريمَ القَريبَ المُجِيْبَ أَنْ يَجْعَلَ عَملَنَا خَالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ مُقَرِّبًا لَنَا وَلِمنْ قَرَأَهُ وَسَمِعَهُ لَدَيْهِ في جَناتِ النَعِيْمِ وأَنْ يَأَجرَ مَنْ طَبَعَهَ وَمَنْ أَعَانَ عَلى طَبْعِهِ وَمَنْ تَسَبَّبَ لِطَبْعِهِ مَدَى اللَّيَالي والأَيَّام وأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلَهُ وَلِوَالِدِيْنَا وَوَالِدَيْهِ، وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِهِ إِنَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين، وصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
عبد العزيز بن محمد السَّلمان
لا تَبْكِ للدُّنْيَا وَلا أَهْلَهَا ** وَابْكِ لِيوْمٍ تَسْكُنِ الْحَافِرَةْ

وَابْكِ إِذَا صِيحَ بأَهْلِ الثَّرَى ** فاجْتَمَعُوا في سَاعَةِ السَّاهِرَةْ

وَيْلَكِ يَا دُنْيَا لَقَدْ قَصَّرَتْ ** آمَالُ مَنْ يَسْكُنُكِ الآخِرَةْ

آخر:
قِفْ دُونَ دِينِكَ فِي الْحَيَاةِ مُجَاهِدًا ** إِنَّ الْحَيَاة عَقِيدَةٌ وَجِهَادُ

آخر:
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرِكَ فَاحْتَرِزْ ** عَلَيْهِ مِن الإِنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِب

وَسَمَّيْتُ هَذَا الكِتَابَ الجَامِعَ المُسَلِّي لِقَاِرِئِه وَسَامِعِهِ:
مَوَارِدَ الظَّمْآنِ لِدُرِوْسِ الزَّمَان: حِكَم وأَحْكَام وَقَواعِد وَمَوَاعِظ وآداب وأَخْلاق حِسان
أَسِيرِ خَلْفَ رِكَابِ النُّجْبِ ذَا عَرَجٍ ** مُؤَمَّلاً جَبَرَ مَا لاقَيْتُ مِنْ عِوَجِ

فَإِنَّ لَحِقْتُ بِهِمْ مِنْ بَعدِ مَا سَبَقُوا ** فَكَمْ لِرَب السَّمَا فِي النَّاسِ مِنْ فَرجِ

وَإِنْ ظَلَلْتُ بقَفْرِ الأرضِ مُنْقَطِعًا ** فَمَا عَلَى عَرَجٍ فِي ذَاكَ مِنْ حَرَج

هَذَا الكِتَاب وقف لله تَعَالى عَلَى طَلبة العلمْ، وَغَيرهمْ مِمَنْ يُريد الانتفَاع به واحْذر أُيُّهَا الأخ من بَيْعِهِ أوْ تَعْطِيْلِهِ.
بِاللهِ يَا قَارِئًا كُتُبِي وَسَامِعَهَا ** أَسْبِلْ عَلَيْهَا رِدَاءَ الْحُكْمَ والْكَرَمِ

وَاسْتُرْ بِلُطْفِكَ مَا تَلْقَاهُ مِنْ خَطَاءٍ ** أَوْ أَصْلِحَنْهُ تُثَبْ إِنْ كُنْتَ ذَا فَهَمِ

فَكَمْ جَوادٍ كَبَى والسَّبْقُ عَادَتُه ** وَكَمْ حُسَامٍ نَبَا أَوْ عَادَ ذُو ثُلْمٍ

وَكُلُّنَا يَا أَخِي خَطَآءُ ذُو زَلَلٍ ** والْعُذْر يَقْبَلُهُ ذُو الْفَضْلِ والشِّيَمِ

آخر:
مَن الذِّي مَا سَاءَ قَطْ ** وَمَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ

آخر:
أَخَا الْعِلْمِ لا تَعْجَلْ لَعِيْب مُصَنِّفٍ ** وَلَمْ تَتَيَقَّنْ زَلَّةً مِنْهُ تَعْرَفُ

فَكَمْ أَفْسَدَ الرَّاوِي كَلامًا بِنَقْلِهِ ** وَكَمْ حَرَّفَ الْمَنْقُول قَوْمٌ وَصَحَّفُوا

وَكَمْ نَاسِخٍ أَضْحَى لِمَعْنَى مُغَيَّرًا ** وَجَاءَ بِشَيْءٍ لَمْ يُرِدْهُ الْمُصَنَّف

آخر:
سَلِ الإِلَهَ إِذَا نَابَتُكَ نَائِبَةٌ ** فَهُوَ الذِيِ يُرْتَجَى مِنْ عِنْدِهِ الأَمَلُ

فَإِنْ مُنِحَتَ فَلا مَنٌ وَلا كَدَرٌ ** وَإِنْ َرَدِدْتَ فَلا ذِلٌ وَلا خَجَلُ

.فصل في الأركان الستة وكيفية الإيمان بها:

.الركن الأول: الإيمان بالله جَلَّ جَلالُه:

وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رَبَّ كُلّ شَيءٍ ومَلِيكهُ وأنَّه الخَالِق الرازق المُحْيِي المِمُيْت المُدَبِّر لِجمَيع الأُمور.
وأنه المستحق لأنْ يُفْرَدَ بالعُبُودِيَّةِ والذَّلِ والخُضُوعِ وجَمِيعِ أَنواع العِبادة، وأنه المتصفُ بصفاتِ الكمال المنزه عن كل عيبٍ ونقص، وهذا هو الأساس الأول الذي يَقُوم بِنَاء شَخْصِيَّةِ المُسْلِمِ عليه.
عَلَيْكَ بِتَوْحِيدِ الإِلِهِ فَإِنَّهُ ** هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى بِهَا يُتَمَسَّكُ

آخر:
تَأَمَّلْ صحِيفَاتِ الْوُجُود فَإِنَّهَا ** مِنْ الْجَانِبِ السَّامِي إِلَيْكَ رَسَائِلُ

وَقَدْ خَطَّ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا ** أَلا كُلَّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ

.الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:

الإيمان بالملائكة: هو التصديقُ الجازمُ بأَنَّ لله ملائكةً مَوْجُودِينَ مَخلوقِينَ مِن نُور، وأنهم كَما وصَفَهم الله عبادٌ مُكْرمُونَ يُسبحونَ الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرون وأنهم لا يَعْصُون الله ما أَمرهم وَيَفعلون مَا يُؤَمَرون، وأنَّهم قَائِمِونُ بِوَظائِفهم التِي أَمَرَهَمُ الله بالقيام بها.
ويِجبُ الإِيمانُ على التفصيَلِ بمن وَرَدَ تَعْيينهُ باسمهِ المخصوصِ كَجبرِيل ومكيائيل وإسرافيل ورضوان ومَالك، فَجبريلُ هو الموكلُ بأَداءِ الوَحْي وهو الروحُ الأمين، ومِيْكَائِيلُ المُوكلُ بالقَطْرِ، وإسرافيلُ الموكلُ بالصورِ، ومَلَكُ الموتِ الموكلُ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ.
ومنهم الموكلُ بأعمالِ العِباد، وهُمْ الكرَامُ الكَاتُبِون، ومنهم الموكلُ بِحفْظِ العَبْدَ مِن بينَ يديهِ ومن خَلْفهِ وهُمُ المعَقّبَاتُ، ومنهم الموكلُ بالجنةِ ونَعيْمِهَا وهُمْ رِضوانُ ومَن مَعَهُ.
ومنهم الموكلُ بالنَّارِ وعَذابها وهُمْ ماَلِكُ ومَن مَعَه، ومنهم الموكلُ بِفتنةِ القبر وَهم مُنْكَرٌ ونكِير، ومنهم حملةُ العرشِ.
ومنهم الموكلُ بالنُّطَف في الأرحامِ وكتابة ما يراد بها، ومنهم ملائكةٌ يَدخُلُون البيَتَ المعمورَ يَدخُلُه كُلَّ يومٍ سَبْعُونَ ألفًا ثم لا يَعُودُون، ومنهم ملائكةٌ سَيَّاحُونَ يَتّبعُون مَجالِسَ الذِكرِ وغير ذلك.
ويَجِبُ الإِيمانُ بِمن لم يَردْ تعْيِينهُ باسمهِ المخصوصِ أو تَعْيِينُ نوعِهِ المخصوصِ إجمالاً والله أعلم بعَدَدِهَم، قال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ} الآية، وقال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ} الآية.
فجعل الإيمانَ هو الإيمانُ بهِذِه الجملةِ، وسَمَّى مَن آمنَ بهذه الجملةِ مُؤْمِنين كما جَعَلَ الكافرين مَن كَفَر بهِذِه الجُملةِ بقوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ} الآية.
وفي حديث جبريل: «أن تُؤْمِنَ باللهِ وملائكتهِ وكُتُبِه» الحديث فهذه الأصول اتَّفقَتْ عليها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا الرسلُ وَأتباع الرسل.
إيمَانُنَا بالله ثُمَّ برُسلِهِ ** وَبِكُتبِهِ وَقِيَامَةِ الأبدَانِ

وَبِجُندِهِ وَهُم الملاَئِكَةُ الأولَى ** هُم رُسلُهُ لمصَالِحِ الأكوَانِ

هَذِي أصُولُ الدِّين حَقًّا لاَ أصُـ ** ـولُ الخَمسِ للقَاضِي هوَ الهَمَدَان

آخر:
وَبَعْدَ حَمْد الله أنّي أَشْهَدُ ** أنْ لا إله مُسْتَحِقًا يُعْبَدُ

إِلا إِلا لَهُ الْوَاحدُ الْفَردُ الصَّمَدْ ** مَن جَلَّ عَنْ زَوْجٍ وَكُفْء وَوَلَدْ

وَأَنَّ طَه خَيْرُ مَنْ قَدْ أَرْسِلا ** يَدْعُو إِلى التَّوْحِيد سَائِرَ المَلا

صَلَّى عَلَيْهِ الله ذو الجلالِ ** مَا دَامَتِ الأَيْام والليالي

وآله وصَحْبهِ الْكِرَامِ ** السَّادَةِ الأَئمَّةِ الأَعلام

.الركن الثالث: الإيمان بكتب الله:

الإيمان بكتب الله هو التصديق الجازم بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله وهي من كرمه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق وصدق ولا يعلمن عددها إلا الله.
وأنه يجب الإِيمان بها جملة إلا ما سمي منها وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى فيجب الإيمان بها على التَّفْصِيل.
قال الله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ}، وقال: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}، وقال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، وقال: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} فيجب الإيمان بها على التفصيل والبقية إجمالاً.
ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه منزل من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به حقيقة، كما تكلم بالكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، وأنه المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف.
قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وقال: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
ومنزلة القرآن من الكتب المتقدمة كما ذكر الله فيه قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}، وقال: {مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. وقال: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
قال المفسرون: مهيمنًا مؤتمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، ومصدقًا لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتغيير وتبديل، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو المردود.
وله يخضع كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه. وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}.
ويجب على كل أحد إِتباعُه ظاهرًا وباطنًا والتمسك به والقيام بحقه، قال الله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وقال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله فقال: «خذوا بكتاب الله وتمسكوا به». وفي حديث علي مرفوعًا: «إنها ستكون فتن». قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله» وذكر الحديث.
ومعنى التمسك به والقيام بحقه حفظه وتلاوته، والقيام به آناء الليل والنهار، وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره، والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والوقوف عند حدوده، والذب عنه لتحريف الغالين المبطلين والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إليه على بصيرة.
وفي جواب أهل العلم والإيمان: السلف متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أعلى منها درجة، فإنه قرر ما فيها من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلاً.
وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين.
وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله بِبَيَانِهِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إليه القَوْم وأَيْقِظْنَا من سِنة الغَفْلَةِ والنَّوم وارزِقْنَا الاستعدادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنانِكَ واجعلنا من عِبادِكَ الذينَ لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تحرمنا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبنا، واغْفِرْ لَنِا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ.
مِنْ أَهْمَلَ الدِّيْنَ لا تَأْمَن عَقَارِبَهُ ** وَلَوْ تَسَمَّى بإِخْلاصِ بِنِيَّاتِ

لآِدَمَ جَاءَ إِبْلِيْسٌ وَقَال لَهُ ** إِنّيْ لَكُمْ نَاصِحٌ فاسْمَعْ مَقَالاتِي

فَاقْسَمَ الخُبْثُ في رَبِيْ وَنَزَلَّهُمْ ** مِن الجِنَانِ إِلىَ دَارِ الأَذَيَّاتِيْ

وصلى الله عَلَى محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.

.الركن الرابع: الإيمان بالرسل:

الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن لله رسلاً أرسلهم لإِرشاد الخلق في معاشهم ومعادهم. اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يهمل خلقه، بل أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين.
فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل، والإِيمان جملة بأن لله رسلاً غيرهم، وأنبياء لا يحصى عددهم إلا الله ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا.
قال الله تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} وعَدَدُ المذكورين في القرآن خمسة وعشرون وهم: آدم، نوح، إدريس، صالح، إبراهيم، هود، لوط، يونس، إسماعيل، إسحق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، اليسع، ذو الكفل، داود، زكريا، سليمان، إلياس، يحيى، عيسى، محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ أَتْمِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتَكَ الوَافِيَةَ وَارْزُقْنَا الإخْلاصَ فِي أَعْمَالِنَا وَالصِّدْقَ في أَقْوَالِنَا وَعُدْ عَلَيْنَا بِإصْلاحِ قُلُوبِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِه.

.فَصْل فِي مَوْضُوعِ الرِّسَالةِ:

ومَوْضُوعُ الرِّسَالةِ: التَّبْشِيرُ والتَّنْذِير: قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
والحكمةُ في ذلك دعوةُ أُممهم إِلى عِبادةِ اللهِ وَحْدَهُ. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} وأفضل المرسلين أولو العزم، وهم المذكورون في سورة الشورى.
قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} الآية، وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}.
وأفضل أولياء الله أنبياؤه، وأفضل أنبيائه المرسلون، وأفضل المرسلين أولوا العزم، وأفضل أولي العزم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا.
صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس.
وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرق فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقًا وأولهم بعثًا، ومن حين بعثه الله جعله الفاروق بين أوليائه وبين أعدائه.
فلا يكون وليًا لله إلا من آمن به وبما جاء وابتعه ظاهرًا وباطنًا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أوليائه، بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان. اهـ. واللهُ أعْلَمْ، وَصَلى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ.